• 8d14d284
  • 86179e10
  • 6198046e

أخبار

مهرجان منتصف الخريف: احتفال خالد بالوحدة والتقاليد وروعة القمر

صورة

مع انحسار حرارة الصيف وانتعاش الهواء، يملأ شعورٌ بالترقب قلوب الملايين حول العالم. بالنسبة للجالية الصينية وعشاق الثقافة في جميع أنحاء العالم، يُمثل هذا الوقت من العام حلول عيد منتصف الخريف، وهو عيدٌ غنيٌ بالتاريخ والرمزية، ويعكس الشوق العالمي للتواصل. يُعرف هذا العيد أيضاً باسم عيد القمر أو "تشونغ تشيو جيه" باللغة الصينية، ويُصادف اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الثامن، عندما يُعتقد أن القمر يكون في أبهى حالاته وأكثرها استدارةً وإشراقاً. يُمثل هذا الحدث الفلكي استعارةً قويةً للكمال، ولم شمل العائلة، والروابط المتينة التي تتجاوز المسافات. أكثر من مجرد يوم عطلة، يُعد عيد منتصف الخريف تقليداً حياً، يمزج بين الأساطير القديمة والجذور الزراعية والاحتفالات الحديثة في نسيجٍ يُكرم الماضي ويحتضن الحاضر.

الأصول: الأساطير، والحصاد، والجذور القديمة

تعود جذور مهرجان منتصف الخريف إلى أكثر من 3000 عام، متجذرة في الممارسات الزراعية العملية والفلكلور الشعبي الغني. ويمكن العثور على أقدم آثاره في عهد أسرة شانغ (1600-1046 قبل الميلاد)، عندما كانت المجتمعات الصينية القديمة تقيم احتفالات لعبادة القمر. وعلى عكس احتفالات اليوم، كانت هذه الطقوس المبكرة مناسبات مهيبة، تركز على شكر إله القمر على وفرة المحاصيل. كان المزارعون يعتقدون أن دورات القمر تؤثر على نمو المحاصيل، حيث كان ضوؤه الخافت يرشد إلى الري الليلي، ومراحله تشير إلى الوقت المناسب للزراعة والحصاد. لم يكن تكريم القمر مجرد عمل روحي، بل كان وسيلة لضمان الرخاء في المستقبل، مما جعل المهرجان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بإيقاعات الطبيعة.

مع مرور الزمن، امتزجت هذه الطقوس الزراعية بالأساطير والحكايات الشعبية، مانحةً المهرجان هويته السردية الغنية. ولعلّ أشهر هذه الأساطير قصة تشانغ إي، إلهة القمر، وهي حكاية تناقلتها الأجيال ولا تزال محور احتفالات منتصف الخريف حتى اليوم. تقول الأسطورة إن تشانغ إي كانت زوجة هو يي، الرامي الماهر. في العصور القديمة، أشرقت عشر شموس معًا في السماء، فأحرقت الأرض وهددت البشرية بالجفاف. أسقط هو يي تسعًا من تلك الشموس، فأنقذ العالم، وكوفئ بإكسير الخلود. أعطى الإكسير لتشانغ إي لحفظه، موصيًا إياها بعدم شربه. إلا أن صديقًا جشعًا لهو يي حاول سرقة الإكسير أثناء غيابه. لحمايته، شربت تشانغ إي الإكسير بنفسها وصعدت إلى القمر، حيث عاشت منذ ذلك الحين، برفقة أرنب من اليشم فقط. في كل عام في عيد منتصف الخريف، ينظر الناس إلى القمر، على أمل أن يلمحوا تشانغ إي وأرنبها، ويرسلون أمنياتهم باللم شمل والسعادة إلى أحبائهم القريبين والبعيدين.

شخصية محورية أخرى في أساطير عيد منتصف الخريف هي وو غانغ، الحطّاب الذي عاقبته الآلهة بقطع شجرة أوسمانثوس خالدة على سطح القمر. مهما حاول قطعها، كانت الشجرة تشفي نفسها بين عشية وضحاها، مما حكم عليه بمهمة أبدية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت شجرة الأوسمانثوس رمزًا للعيد، حيث تُستخدم أزهارها العطرة في الحلويات والشاي التقليديين، وتُزيّن صورتها الفوانيس والزينة. تُضفي قصتا تشانغ إي وو غانغ معًا عمقًا وسحرًا على العيد، محولتين احتفالًا بسيطًا بالحصاد إلى ظاهرة ثقافية غنية بالمشاعر والمعاني.

صورة 1

تطور المهرجان: من الطقوس الإمبراطورية إلى الاحتفالات العالمية

رغم أن جذور مهرجان منتصف الخريف ضاربة في القدم، إلا أن شكله الحديث تطور عبر القرون، متأثراً بالتغيرات السلالية والتحولات الاجتماعية والتبادل الثقافي. خلال عهد أسرة تانغ (618-907 م)، بدأ المهرجان يكتسب طابعاً احتفالياً أكثر بهجة. كانت العائلات الإمبراطورية تقيم ولائم فخمة تحت ضوء القمر، حيث كان الشعراء ينشدون قصائد تمجد جمال القمر، ويعزف الموسيقيون ألحاناً تقليدية. كما شارك عامة الناس في هذه الاحتفالات، فاجتمعوا مع عائلاتهم لتناول الطعام، وإطلاق الفوانيس، والتأمل في القمر. وفي هذه الفترة، ارتبطت كعكات القمر - التي تُعد اليوم أشهر أطعمة المهرجان - بالاحتفال لأول مرة، رغم أنها كانت في البداية مجرد معجنات بسيطة محشوة بالفاصولياء الحلوة أو معجون بذور اللوتس.

شكّلت أسرة سونغ (960-1279 م) نقطة تحوّل في تاريخ مهرجان منتصف الخريف، إذ أصبح عطلة رسمية. ازداد الإقبال على كعكات القمر، وبدأ صنعها بأشكال ونكهات أكثر تنوعًا، وغالبًا ما كانت تُزيّن برسومات القمر أو تشانغ إي أو زهور الأوسمانثوس. كما أصبحت الفوانيس جزءًا أساسيًا من الاحتفالات، حيث كانت تُصنع بدقة متناهية على هيئة حيوانات وزهور ومخلوقات أسطورية، وتُضاء وتُحمل في الشوارع، محولةً الليالي إلى بحر من الأنوار. شهد هذا العصر أيضًا ظهور "حفلات مراقبة القمر"، حيث كان العلماء والفنانون يجتمعون في الحدائق، يحتسون النبيذ، ويتناقشون في الفلسفة وهم يتأملون القمر. ساهمت هذه التجمعات في ترسيخ مكانة المهرجان كوقت للتأمل والإبداع والتبادل الفكري.

بحلول عهد أسرتي مينغ (1368-1644 م) وتشينغ (1644-1912 م)، أصبح عيد منتصف الخريف تقليدًا محبوبًا لدى جميع الطبقات الاجتماعية. وتطورت كعكات القمر، مع إضافة صفار البيض المملح في مركزها - رمزًا للقمر المكتمل - وتنوع الحشوات، بما في ذلك الفاصوليا الحمراء وبذور اللوتس، وحتى خيارات مالحة مثل لحم الخنزير. كما أصبح العيد مناسبة لتبادل الهدايا، حيث كان الناس يتبادلون كعكات القمر والفواكه مع الأصدقاء والعائلة والزملاء كدليل على حسن النية. وفي بعض المناطق، ظهرت عادات فريدة: ففي مقاطعة قوانغدونغ، على سبيل المثال، كان الناس يقيمون فعاليات "ألغاز الفوانيس"، حيث تُكتب الألغاز على الفوانيس، ويفوز من يحلها بجوائز صغيرة. وفي مقاطعة فوجيان، كانت العائلات تُطلق الفوانيس في السماء، وتكتب أمنياتها عليها قبل إطلاقها في سماء الليل، حيث تطفو إلى الأعلى كنجوم صغيرة.

الصورة 2
صورة 3

في القرنين العشرين والحادي والعشرين، تجاوز مهرجان منتصف الخريف أصوله الصينية ليصبح احتفالاً عالمياً. ومع انتشار الجاليات الصينية في أنحاء العالم - من سنغافورة وماليزيا إلى الولايات المتحدة وأوروبا - جلبوا معهم هذا المهرجان، مُكيّفين إياه مع الثقافات المحلية مع الحفاظ على جوهره. في مدن مثل نيويورك ولندن وسيدني، تتضمن فعاليات منتصف الخريف العامة عروض رقص التنين، وعروض الأسود، وعروض الفوانيس، وأكشاك الطعام التي تبيع كعك القمر وغيرها من المأكولات الصينية الشهية. لا تقتصر هذه الاحتفالات على توحيد الجاليات الصينية فحسب، بل تُعرّف أيضاً بجمال المهرجان ومعناه للناس من جميع الخلفيات، مما يعزز التفاهم والتقدير بين الثقافات.

الاحتفالات الحديثة: تكريم التقاليد في عالم متغير

لا يزال عيد منتصف الخريف اليوم مناسبةً لتجمع العائلة، رغم أن الحياة العصرية قد أضفت لمسات جديدة على التقاليد العريقة. يبدأ العيد لدى الكثيرين بعشاء عائلي، يتضمن أطباقًا تقليدية مثل البط المشوي ولحم الخنزير المطهو ​​ببطء والروبيان النهري، وكلها ترمز إلى الوفرة والرخاء. بعد العشاء، تجتمع العائلات في الهواء الطلق (أو بجوار نافذة إذا كان الطقس سيئًا) لمشاهدة القمر المكتمل، وغالبًا ما يتناولون كعك القمر ويشربون نبيذ أو شاي الأوسمانثوس. وقد تطور كعك القمر، على وجه الخصوص، ليناسب الأذواق العصرية: فبينما لا تزال النكهات الكلاسيكية مثل بذور اللوتس والفاصوليا الحمراء تحظى بشعبية، توجد الآن أنواع "مبتكرة" من كعك القمر محشوة بالشوكولاتة أو الآيس كريم أو الماتشا أو حتى الكراميل المملح. كما تقدم بعض المخابز كعك قمر "صحي"، مصنوع من حشوات قليلة السكر أو قشور من الحبوب الكاملة، لتلبية احتياجات المستهلكين المهتمين بصحتهم.

تُعدّ الفوانيس رمزًا راسخًا آخر للمهرجان، على الرغم من أن تصميمها قد تغيّر مع مرور الزمن. لا تزال الفوانيس الورقية التقليدية، التي غالبًا ما تُزيّن برسومات يدوية لمشاهد من الأساطير الصينية، تحظى بشعبية كبيرة، لكنها الآن تتنافس مع فوانيس LED - الساطعة والملونة والموفرة للطاقة. في بعض المدن، تُقام عروض فوانيس ضخمة في الحدائق أو الساحات العامة، جاذبةً حشودًا من الزوار. ومن أشهر هذه العروض ما يُقام في حديقة فيكتوريا في هونغ كونغ، حيث تُضيء آلاف الفوانيس (بما في ذلك فانوس عملاق على شكل قمر) سماء الليل، خالقةً جوًا ساحرًا.

بالنسبة للأجيال الشابة، يُعدّ مهرجان منتصف الخريف فرصةً للمرح والتواصل الاجتماعي. يُنظّم العديد من الشباب حفلاتٍ لمشاهدة القمر مع أصدقائهم، حيث يمارسون الألعاب، ويلتقطون الصور مع الفوانيس، ويتشاركون كعك القمر. في السنوات الأخيرة، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في الاحتفال بهذا المهرجان: ينشر الناس صورًا لعشاءاتهم العائلية، أو عروض الفوانيس، أو كعك القمر على منصات مثل WeChat وInstagram وTikTok، مُشاركين فرحتهم مع الأصدقاء والمتابعين حول العالم. كما انضمت بعض العلامات التجارية إلى موجة الاحتفال بمهرجان منتصف الخريف، فأصدرت كعك قمر بإصدارات محدودة أو تعاونت مع فنانين لابتكار تصاميم فوانيس فريدة، ممزوجةً بذلك بين التقاليد والتسويق الحديث.

رغم هذه التعديلات الحديثة، يبقى المعنى الأساسي لعيد منتصف الخريف كما هو: إنه احتفال بالوحدة والامتنان والأمل. في عالمٍ غالبًا ما تفرق فيه المسافات أو العمل أو مشاغل الحياة الناس، يُذكّرنا هذا العيد بأهمية التروّي والتواصل مع الأحبة وتقدير مباهج الحياة البسيطة. سواءً كنتم مجتمعين حول مائدة العشاء مع العائلة، أو تستمتعون بمشاهدة الفوانيس في الحديقة، أو ترسلون كعكة القمر إلى صديق بعيد، فإن عيد منتصف الخريف هو وقتٌ لتكريم الماضي، والاحتفاء بالحاضر، والتطلع إلى مستقبلٍ مليء بالسعادة واللقاءات.

الخلاصة: مهرجان لكل الفصول

يُعدّ مهرجان منتصف الخريف أكثر من مجرد عطلة، فهو كنز ثقافي، وشاهد على قوة التقاليد الراسخة، واحتفال برغبة الإنسان الفطرية في التواصل. فمنذ بداياته المتواضعة كطقس زراعي في الصين القديمة، وصولاً إلى مكانته كاحتفال عالمي، تطور المهرجان مع مرور الزمن، لكنه لم يغفل قط عن قيمه الأساسية: الأسرة، والامتنان، وجمال القمر.

بينما نتأمل القمر المكتمل في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري الثامن، لا نكتفي بالإعجاب بجرم سماوي فحسب، بل ننضم إلى تقليد عمره ثلاثة آلاف عام، سلسلة من الذكريات والاحتفالات التي تربطنا بأجدادنا وببعضنا البعض. نتذكر تشانغ إي ومنزلها المنعزل على سطح القمر، وو غانغ ومهمته الأبدية، والمزارعين الذين يشكرون الله على حصاد وفير، والعائلات التي تجتمع من جديد بعد شهور من الفراق. في تلك اللحظة، نصبح جميعًا جزءًا من شيء أكبر من ذواتنا، مجتمع عالمي تربطه قصص مشتركة، وتقاليد مشتركة، وآمال مشتركة.

في عيد منتصف الخريف هذا، خذ لحظة للتأمل. تناول كعكة القمر، وأشعل فانوسًا، وانظر إلى القمر. أرسل أمنية إلى من تحب، أو اجلس ببساطة في صمت واستمتع بجمال الليل. بفعل ذلك، أنت لا تحتفل بعيد فحسب، بل تحافظ على تقليد حيّ، تقليد سيظل ساطعًا كالبدر، لأجيال قادمة.


تاريخ النشر: 30 سبتمبر 2025